الشيخ إبراهيم بن وصيف شاه

85

مختصر عجائب الدنيا

فلما أسبت الرمل جاز عليه إلى الخراب المتصل بالبحر الأسود ، فسمع جلبة وصياحا هائلا فتبع الصياح في عسكر من شجعان جيشه فأشرف على وادي السباع المعروفة بالأنوف ، وإذا بعضها يهر على بعض ، ويأكل بعضها بعضا فعلم أنه لا مذهب له من ورائها . فرجع القهقرى وعدى وادي الرمل ، ومرّ بأرض العقارب ، فهلك بعض أصحابه وخلص بعضهم برقاء كانوا يعرفونها . ثم أن الريان استدرك فجدّ في مسيره حتى انتهى إلى مكان صلقوه وهي حيّة فرقوا أنفسهم فسلموا وعرجوا عنها بعد أن هجموا عليها جاهلين بأمرها ، ثم علموا أنها حية . وتزعم القبط أن الريان سحرها فماتت مكانها . وقيل : إنه تعزّ بجهاميل من الناس ، وأنها كانت تبتلع السباع في ذلك المكان . ثم سار إلى مدينة الكند ، وهي مدينة الحكماء ، فلما رأوه هربوا منه فصعدوا جبلا لهم من مواضع يعرفونها من داخل مدينتهم . فأراد الريان أن يصعد إليهم فعجزوا ولم يروا مسلكا يصعد منه ، ولا عرف طريقهم . فأقام عليها أياما ، وكادوا يهلكون من العطش لقلة الماء ، فنزل بالريان رجل من الجبل يقال له ميدوس ، وكان من أفاضل الحكماء ، وقد اكتسى جسده بشعره ، فواجه الريان ، وقال له : أين تريد أيها المغرور بنفسه وبغيره الممدود / أجله المرزوق فوق كفايته وقد أتعبت نفسك وجيشك ، هلا اخترت بما ملكت راحة نفسك ، وأسلمت أمرك لخالقك ؟ فاستحسن كلامه . ثم أنه سأله عن موضع الماء ، فدله عليه فشربوا وسقوا دوابهم ، ثم سأل عن مواضعهم . قال : فليس لك إليه سبيل ولا لأحد قبلك كان له إليه وصول . قال : فما معاشكم ؟ قال : أصول النبات . قال : فمن أين تشربون ؟ قال : من نقار الماء الذي من الأمطار والثلوج . قال : فلأي شيء هربتم منّا ؟ قال : حتى لا نرى أحدا منكم ، وليس لنا شيء نخافكم عليه . قال : فإذا حميت الشمس فأين تأوون ؟ قال : في غيران تحت هذا الجبل . قال : فهل تحتاجون إلى شيء من المال أخلف لكم ؟ قال : إنما يريد المال أهل البذخ ونحن لا نستعمل منه شيئا استغناء ، وعندنا من المال ما لو رأيته لحقرت ما عندك .